Proyecto RIMAR
رصيد المكتبة العامة والمحفوظات بتطوان

صور بين الماضي الاستعماري والحاضر ما بعد الاستعمار

تمهيد لقراءة مغربية وأندلسية في فن التصوير الفوتوغرافي الاستعماري بين عامي 1930 و1950

خوسيه أنطونيو غونثاليث ألكانتود (José Antonio González Alcantud)

(جامعة غرناطة)

القضية الإستعمارية والإثنولوجية

لا يختلف اثنان على أن الحماية الفرنسية-الإسبانية التي امتدت على المغرب بين عامي 1912 و1956 والتي كانت الدولتان قد اتفقتا على شروطها في مؤتمر الجزيرة الخضراء [1] (إسبانيا) الذي انعقد سنة 1906، أدت إلى التباس في رؤى يستمر إلى يومنا هذا. وبشكل عام، ورغم أنه يمثّل فترة وجيزة من تاريخنا المعاصر، ترك الاستعمار آثار عميقة في كل من شارك في تطبيقه أوعاش تحت نظامه. وزد على ذلك أن تأثير عصر الاستعمار قد أصاب أيضا الأجيال الجديدة التي لم تعرفه إلا عبر ما سمعته من الأجيال التي عاشت خلال تلك الفترة. ويعتقد قرانز فانون(Frantz Fanon)، منظّر الثورة الجزائرية، أن الناس الذين عاشوا تحت نظام الاستعمار لن يتحرروا أبدا من تلك الإهانة، التي أصابتهم بخلل نفسي حقيقي بحكم تأثيرها العميق عليهم، إلا عبر استخدام العنف [2]. في حين كان اليهودي التونسي آلبر ممي (Albert Memmi) يشير إلى حتمية التخلص من عقدة التبعية التي أقيمت بين المستعمِر (بكسر الميم) والمستعمَر (بفتح الميم) من أجل تطبيع العلاقات الاجتماعية والثقافية بينهما [3]. والحقيقة أن الجدال الدائر حاليا الذي يعتبر (ما بعد استعماري) يعاني من الإشكالية نفسها: كيفيك التخلص من الشعور بالتبعية الضيقة والهوسية تجاه الاستعمار [4]. وفي هذا السياق يمثّل التخلص من سيطرة الصور التي تعكس رؤى نمطية عن الاستعمار، وخاصة تلك الصور الغرائبية والعجائبية التي نشرها صيادو المشاهد الاستعمارية، خطوة مهمة للمرحلة ما بعد الاستعمار. وبطبيعة الحال، فإن الصور السينمائية التي نشاهدها في فيلم (معركة الجزائر) لجيلو بونتيكورفو (Gillo Pontecorvo) والتي تعاني من الإفراط الزائد في العنف، تمثل نقيضا تاما للصور التي التقطها محبو الثقافة الإفريقية (africanistas)، والتي نرى فيها النساء مغاربية وصدورهن عارية. ومقابل هذا العنف، تأتي في «معركة الأحلام» [5]، أي المنامات الليلية التي تتنبأ بالصراع القادم والقريب، معركة الصور. .

الشمالي، لحسن حظنا، فإن أعنف حدث في تلك الفترة، الذي هو معركة الريف (1921-1925)، تلته فترة هادئة نسبيا انتهت باندلاع حرب الاستقلال في عام 1956. وخلال تلك المرحلة التي شاهدت كل من حكم الجنرال بريمو دي ريفيرا (Primo de Rivera)، وإقامة الجمهورية الثانية وتولي الجنرال فرانثيسكو فرانكو (Francisco Franco) الحكم، قامت الدولة الإسبانية، وبنجاح متغير، بتطبيق إجراءات تحديثية، وذلك بهدف تحقيق التهدئة التامة (pacificación) واستنادا إلى دعم النخب المغربية في كلا المنطقتين الريفية والحضرية. وكان المراقبون الحكوميون الإسبان (interventores)، كما وصفهم كثيرون وبحق، حجر زاوية الحماية الإسبانية في المغرب[6]. وكان بينهم من أصبح خبيرا حقيقيا في مجال الإثنوغرافيا. وتجدر في هذا السياق الإشارة إلى العقيد إيميليو بلانكو إيثاغا (Emilio Blanco Izaga)7 الذي صار مرجعية مهمة في هذا العِلم. غير أنه لم يكن الوحيد الذي تحول إلى خبير في الإثنوغرافيا، وذلك لأن إحدى النصائح التي تم الإصرار عليها في مدرسة المراقبين المدنيين والعسكريين خلال تدريبهم كانت القيام باستطلاعات إثنوغرافية وفقا لمعايير محددة ودقيقة جدا.

ولكنه تم في العديد من الحالات صبغ هذه الاستطلاعات ذات الطابع الوضعي والعلمي بأفكار عن «جوهر» الأهالي الثقافي، وهي استطرادات دون أي أساس وضعي أو علمي. وذلك لأن البحث عن «الروح المغربية» عبر دراسة عادات الشعب وتقاليده، إما باستخدام المناهج الإثنوغرافية أو تلك التابعة لعلم النفس، كان أحد ثوابت الإيديولوجية الاستعمارية. وللمزيد من الأمثال عن هذا الموضوع يُنصح الاطلاع على أعمال جورج هاردي (Georges Hardy) ولوي برونو (Louis Brunot)، على سبيل المثال وليس الحصر، عن المغرب الفرنسي[8]. وكان المقصود بذلك مساعدة المشروع الاستعماري ودعمه عبر الولوج في الحياة الحميمية لشعب كان يعتبر عنصريا جدا بموجب هويته وطبيعته ومزاجه. ولتقديم مثال واضح عن الإصرار على البحث عن الروح المغربية الذي سبق ذكره، عندنا المحاضرة التي ألقاها العقيد كاباص (Capaz) في الدورات التدريبية للمراقبين، بعد إنتهاء معركة الريف بسنتين، أي في عام 1928. وفي هذه الكلمة يبدأ كاباص بالاعتراف بعجز المراقب عن فهم مجتمع مغلق على نفسه مثل المجتمع المغربية، فيقول: «بعد الاطلاع على تقاليد الناس، وهو عمل يثير فضول المطّلع للمزيد من المعرفة، وبعد إمعان النظر في تقاليد هذا الشعب ودينه، الذي ولد حقدا على المسيحيين، مقابل لطفنا وخفة دمنا، يُستنتج أن هذا الحقد الجوهري لن يختفي أبدا بل سيزداد سوءا عندما يفهم هؤلاء الأهالي أننا نعتبر فكرهم أقل تطورا من فكرنا. وهذا بدوره سيزيد من انعدام ثقتهم بنا وتحافظاتهم حولنا»[9]. ولتجاوز هذه الخلافات اقترح كاباص على المراقبين العسكريين تطبيق منهج سماه بدون خجل منهجا إثنوغرافيا. وهكذا اجتنب، وفقا لنصائح الأب فوكولد (Foucauld)، الحديث عن ماهيويات (esencialismos) «المزاج» (المغربي) وما شابه ذلك. إلا أنه، ورغم ذلك، وقع بشكل تلقائي في فخ البوح ببعض الاعتبارات الشخصية التقويمية عن مزاج المجموعات “الإثنية” المغربية. وهكذا رغم نيته لعقلنة الإثنوغرافيا، فإن الصور النمطية كانت لا تزال مسيطرة على تفكيره.

ولا شك أنه خلال الثلاثينيات لم تتطور إثنولوجيا استعمارية في المنطقة الإسبانية شبيهة ولو بأبسط درجات بتلك التي تطورت في الجانب المغربي والتي تبلورت في أعمال مثل تلك التي أنجزها روبر منتان (Robert Montagne)[10]. وهو ليس إلا أحد الإثنوغرافيين الذين سافروا إلى المغرب للقيام بعمل ميداني والذين كانوا إما طلاب في الجامعة أو مسؤولين في النظام الاستعماري[11]. وكان الجنرال ليوطي (Lyautey) واعيا جدا عن إمكانية الاستفادة من العلوم الاجتماعية لتنفيذ السيطرة الاستعمارية، وهو درس لم يتردد في تعليمها لأتباعه. فهو كان يراها، أي العلوم الاجتماعية، كأداة مفيدة ومتعالية، إذا أردنا أن نسميها هكذا، في مجال «الهندسة الاحتماعية».

الرهان الإثنوغرافي

ومن الأرجح أن الفترة الأكثر إثمارا في ما يتعلق بالدراسات الإثنوغرافية خلال عصر الحماية كانت هي التي امتدت بين عقدي الأربعينيات والخمسينيات، حيث وصل فن التصوير الفوتوغرافي إلى أوجه. وهذا ما نستنتجه من اهتمام توماس غارثيا فيغيراس (Tomás García Figueras) بالأمر بعد توليه منصب مندوب التربية والثقافة في الحماية الإسبانية. وقد وصلتنا من تلك الفترة دراسات أنثروبوميترية [العلم الذي يهتم بقياس الجسم البشري وتحديد الفروق بين الإثنيات] مختلطة بدراسات إثنوغرافية كلاسيكية، على طريقة المدرسة الألمانية وإلى حد ما المدرسة الهرفاردية، من بينها «أنثروبولوجيا المغرب الإسباني: دراسة عن مدينة تطوان» للطبيب الألماني نيسين (Nyessen)، التي صدرت سنة 1948 بمشورة فنية من خوليو كولا ألبيريش(Julio Colas Alberich)[12]. ويبدأ الكاتب كتابه بالإشارة إلى الجهل الفظيع المنتشر عن أنثروبولوجيا أهل الريف استنادا إلى ما كان إرنست أ. هوتون (Ernst A. Hooton)، الذي قام ببحوثه في إفريقيا الشمالية وجزر كنارية، يقوله في دروسه في جامعة هارفرد. وبعد ذلك، يذكر أيضا نتائج بحوث كارلتون س. كون (Carlton S. Coon) حول قبائل الريف التي أجراها بين 1926 و1928 والتي نُشرت في 1931. وبما أنه ركز على قبيلتي صنهاجة وغمارة، يعتبر هذا الباحث أن المعلومات الأنثروبوميترية التي نشرها العالِم الألماني السابق الذكر صحيحة، غير أنه ينتقد عدم شرحه طريقة لجمع المعلومات في البحث. ورغم ذلك، فهو يقيّم منهجه ومعايير دراسته. ويقول نيسين عن بحثه: «تم قياس أجساد 325 طفلا على الأقل بين مغاربة وإسبان ويهود حتى شهر ماي، وقد بدأنا نقيس أجساد الأطفال الهنود والنور». وفي نهاية التقرير يحاول الباحث أن يجد طريقة علمية لقياس الذكاء وربطه بالقياسات الجسدية وذلك بهدف إقامة علاقة سببية بين هذه الأخيرة، والطابع البدائي ونسبة التطور العرقي لبعض الإثنيات.

أما في سياق البحوث التي أجراها الباحثون من أصول مغربيية، من أكثرها جدية ذلك الذي قام به عبد الرحيم جبور أدّي (Abderrahim Yebbur Oddi)، الذي يقدم نفسه على أنه «معلم في المدرسة المغربية». ويكمن أهميته في توفيره لنا الكثير من التفاصيل الإثنوغرافية التي تغطي بعض الفراغات المعرفية. وعلى سبيل المثال، يقول إن الرجل الأعمى بشكل عام يعمل متساولا في مراكش وإنه يعيش حياة عادية مثل أي شخص آخر إلا أنه يحتفل بحفلات خاصة في موسم الخريف. ويخبرنا في هذا السياق عن شخص من عائلة الريسوني القديرة المعروفة تميز عن الآخرين تحديدا لأنه كان أعمى. وفي ما يخص الغناوة، وهم أحفاد السود الذين جاؤوا من السودان إلى المغرب، فيقول إنهم كانوا يعتادون زراعة الفول في أراض مستأجرة. وبعد حصاد ذلك الفول وبلباسهم التقليدية، كانوا يقومون بزيارة زاوية مولاي عبد القادر الجلالي وزوايا الشرفاء الأخرين. وكانت نساؤهم، فور الوصول إلى بيت ما، يقدمن لسكانه سلة مليئة بالفول واالحليب، في حين كان الرجال يظلون خارج البيت وهم يعزفون المزمار القديم (chirimía) مقابل بعض الشاي والحلويات، بالإضافة إلى “القمح، والمال والشموع المصنوعة في تطوان”، والتي كانت تُستخدم لإضاءة الزوايا[13]. ويتحدث أيضا عن الاحتفال ببداية السنة الشمسية في 14 يناير والذي يُعرف بالهاغوز، ويقول إن أهل تطوان لا يحبون تناول الكسكس في عشاء ذلك اليوم لأنه يعتبر نذير شؤم. ولذلك يفضلون تناول الثريد أو الفطائر المصنوعة من الطحين بدون خميرة، والسكر، والقرفة. وخلال تلك الليلة توضع الهدايا تحت وسائد الأطفال الذين يعتقدون أن من أهداهم إياها هي هاغوز، «المرأة الرمزية التي تحب الأطفال الطيبين وتكره الأطفال السيئين».أما النساء فهن يتركن البلميط في صناديق ملابسهن «كمؤشر إيجابي إلى أنهن سيحصلن على عدد من الفساتين يعادل عدد أوراق البلميط التي وضعنها». ومن بين التقاليد التي يذكرها، فأبرزها «الخاتمة»، وهي عبارة عن حفلة بمناسبة إتمام أحد طلاب المدارس القرأنية حفظه نصف القرأن. وفي هذه المناسبة كان المعلم يذهب إلى بيت الطالب حيث تقدم له عائلة الطالب الشاي والحلويات، في حين كان الطلاب يتمتعون بيوم عطلة. ويبرز الباحث أيضا مراسم عملية الختان التي كانت تُجرى عادة خلال الاحتفال بمولد النبي بعد بلوغ الولد الرابعة أو الخامسة من عمره. إلا أن هذه العملية أصبحت تجرى في سن أبكر مع مرور الوقت. وهناك عادة أخرى معروفة بكرنفال بو جلود التي يلبس فيه الأهالي جلد الخروف وقرنيه لتخويف الأطفال وهم يطلبون الأكل من المشاركين في هذا الاحتفال. وهناك حفلة كارنفالية أخرى تدعى العنصرة و التي تقام في 23-24 يونيو للاحتفال بانقلاب الشمس الصيفي. وينظم الأهالي المواكب التي يرقص فيها الحماشة والعساوى. وللماء أهمية خاصة في هذه الحفلة، خصوصا الماء البحري، وهكذا ليس غريبا أن يكون المنطقة المفضلة لتنظيم هذا الاحتفال جوار نهر مرتيل. ومن بين الحفلات التي لم تعد موجودة هناك «البساط» التي أقيمت أخر مرة في زمن مولاي عبد العزيز في بداية القرن التاسع عشر. وكانت العادة نتظيم مسيرات عسكرية بعد الانتصار على الجباليين تليها حفلة كبيرة. وعلاوة على الحفلات السابق ذكرها، يتحدث الباحث عن موسم الصيف في نهر مرتيل، حيث كانت العائلات تنتقل إلى الشواطئ للتمتع بالسباحة هناك. وكان هذا الانتقال العام إلى الشواطئ يملئ المنظر بالخيام، ما يشبه تلك المخيمات التي كان السلاطين يقيمونها والمعروفة بالمحلّات. وكان هؤلاء السلاطين يبقون أسبوعين تقريبا على الشواطئ مدججين بالسلاح ظانين أنه وجب عليهم الدفاع عن الساحل ضد الأجانب الذين قد يأتون عبر البحر. ومن المعلومات الإثنوغرافية التي نجدها في هذا البحث، أن النساء من أصل أندلسي كانت عادتهن ألا يتزوجن قبل بلوغهن الثلاثين من العمر لأنهن لم يُعتبرن ناضجات قبل ذلك[14].

ويمثل المثال التالي نموذجا عن التقاطعات المتكررة بين البحث عن المعلومات الإثنوغرافية وتلك السياسية، الذي هو أمر عادي جدا في العلوم الاجتماعية[15].في أول أكتوبر 1940، وهو يوم العيد لمديح الجنرال فرانثيسكو فرانكو (المعروف بـ El Caudillo) طبعت المفوضية الإسبانية العليا في المغرب (Alta Comisaría de España en Marruecos) عددا من استطلاعات «الإثنولوجيا وعلم اللغة وعلم الآثار» حضّرها كل من خوسي بيريث دي برّاداس (José Pérez de Barradas)، أستاذ علم الأنثروبولوجيا في جامعة مدريد ومدير المتحف الإثنولوجي الوطني، وكارلوس ألونسو ديل ريال (Carlos Alonso del Real)، أمين عام في المفوضية الوطنية للأعمال الآثرية (Comisaría Nacional de Excavaciones Arqueológicas)، وخوليو مارتينيث سانتاؤلايا (Julio Martínez Santaolalla)، أستاذ في الجامعة المركزية و المفوض الوطني للأعمال الآترية. ونقرأ في المقدمة للاستطلاعات مديحا لفرانكو ونظامه ولـ”جهوده في سبيل بعث الثقافة الإسبانية-المغربية”[16]. وبالإضافة إلى هذه البلاغة التي تركّز على العلاقة الوثيقة بين الشعبين، وهي ميزة من ميزات أدب الإنتفاضة الوطنية (Alzamiento Nacional) الفرانكية[17]، يذكر في المقدمة ظهير فبراير الأول 1938، الذي ينص على الصكوك القانونية لحماية الكنوز التاريخية والفنية المغربية وكل المؤسسات المتوفرة لخدمة ذلك الهدف، من بينها على سبيل المثال وليس الحصر، مكتبة الحماية ومتحف تطوان الأثري.

وهنا يتجلى هدف هذه الاستطلاعات، فيقول النص إن «العلاقات بين إسبانيا والمغرب محكومة بالشعور الوهمي بالتقارب أكثر من كونها معتمدة على المعرفة المتبادلة الحقيقية، ويصيبنا الصدمة أحيانا عندما نكتشف سطحية تلك المعرفة. ويضيف: «ولذلك، ليس هدف البحث الذي ننوي تحريره بعد دراسة نتائج هذه الاستطلاعات الاستجابة لفضول علمي دون فائدة عملية بل، بالعكس، سنستفيد منه كي نطور نوعية تطبيق الوصاية الإسبانية على المغرب». وإن الفئات المستهدفة للاستفادة من الاستطلاعات هي فئة المراقبين وفئة طلاب المدارس الذين يراد منهم ازدياد إعجابهم بالعلوم الإنسانية التي تساعد على معرفة الشعوب المختلفة. وزد على هؤلاء، كل من مديري المكاتب والباحثين و»محبي التصوير»[18]، وهم من يهموننا في هذه الدراسة. وهكذا يستنتج أن مهمة الاستطلاعات ليست إلا جمع المعلومات بأعلى نسبة ممكنة من الدقة، دون علم كيف ستستخدم تلك المعلومات بعد ذلك، ولكن هناك إصرار متكرر على فائدتها العملية. وفي ما يخص جمع المعلومات الإثنولوجية، يقال إنه: «لا يمكن جمع المعلومات في المغرب بشكل عشوائي أو اعتباطي، بل يجب جمع فقط تلك التي تعتبر أصلية أو تقليدية في المنطقة المدروسة أو عند القبيلة أو الفئة المختارة لإجراء الاستطلاعات». ولا بد من الاهتمام بشكل خاص بالعادات والتقاليد التي تواجه خطر الاندثار أو الاختفاء بسبب تأثيرات الحداثة. وهذا يبرز طبيعة هذه الاستطلاعات المحافظة على ما يسمى «الثقافة البربرية».

وفي وصف منهج جمع المعلومات تشير هذه المقدمة إلى منهج «الاطلاع بالمشاركة» (observación participante): «إن الاستطلاعات لا بد أن تجرى بعد اطلاع عميق على الجماعة المختارة وهذا عبر الاطلاع المباشر على حياتهم اليومية (...). وأفضل طريقة لجمع المعلومات هو الحصول على ثقة الأهالي وذلك عبر الحديث عن أمور متعلقة بتلك التي تريد أن تجمع المعلومات عنها»[19]. وتحتوي هذه الاستطلاعات القصيرة والسهلة الإملاء لأي شخص يعرف أبسط قواعد القراءة والكتابة، على المواضيع التالية: الخصائص الجسدية، والمسكن، والحياة الاقتصادية، والمحاصيل الزراعية، ووسائل النقل، والجمعيات الزراعية، والأكل، والملابس، والصناعة، والفنون الصناعية (وهناك ملاحظة تنصح باحتفاظ ببعض الأدوات)، والفنون العادية (وهنا نقرأ نفس الملاحظة)، والآلات الموسيقية والموارد المستخدمة في الحفلات والألعاب، وطقوس الولادة، وطقوس العرس، والحياة السياسية، والتعليم والأدب، وطقوس الدفن، والدين، والحياة الروحية غير الإسلامية (بفقرة محجوزة للمعلومات عن الجن)، والعين الحسود، واللعنة، والبركة. وفي كل الأحوال تصر المقدمة على ضرورة الدقة في جمع المعلومات وذلك بتحديد أصل الأهالي «العائلي، والمحلي أو الأجنبي». واستجابة لاهتمام الحماية بالثقافة البربرية، تقوم الاستطلاعات بإبراز استمرار بعض «التقاليد البربرية والرومانية في الطقوس» وخاصة في ما يخص أصنام العبادة والخرافات التي «من المفيد جمعها وتسجيلها». وتلفت انتباه القارئ دقة بعض الأسئلة الخاصة بالمناطق البربرية. وعلى سبيل المثال، هناك أسئلة عن «مخاطر إقامة علاقات مع الجن قد تصيب الشخص بلعنتهم»، وعن «صناعة الخمور من بينها تلك المعروفة بسمة المطبوخ وسمة الحلو» أو عن وجود حفلات كرنفالية أو غيابها. ‏

وفي الأخير، وردت في المقدمة تعليمات من أجل تكوين أرشيف رسومي: «وأكثر الأشياء المثيرة للاهتمام هي الصور والنقوش والرسوم واللوحات المائية وكل الرسوم التي تعكس الأشخاص، والمناظر، والأبنية، والحفلات والعادات والتقاليد»[20]. ويصر مارتينيث سانتاؤلايا على أهمية التصوير في الفقرة التي يتحدث فيها عن علم الآثار في إفريقيا الشمالية: «لا بد أن يهتم الباحث بكل رسم ورسم تخطيطي يجده، وخوصوصا الصور لأنها تعكس الواقع بأدق طريقة ممنكة ولذلك لها قيمة عالية»[21]. وإن التصوير، إما بحكم علاقته بالإثنوغرافيا أو بحكم علاقته بعلم الآثار، له أهمية خاصة في البحث العلمي والسياسي في المغرب وذلك كأداة في خدمة المراقبين وغيرهم من الأشخاص الذين مهمتهم تحقيق التهدئة. ولا يمكن إنكار أن إحدى أهم مهمات المراقبين كان جمع المعلومات الحساسة، بتعبير آخر «التجسس»[22]، غير أن معظم المعلومات التي حصلوا عليها كانت إنثروبولوجية بختة وهذا أمر يتكرر في تقارير عدد لا بأس به من المراقبين. وبينها تقرير المراقب العسكري رودريغيث إيرولا عن ثقافة بنى ورياغل الاجتماعية والذي كتبه في الخمسينيات23.[23].

ويمثل الجن أحد أهم المسائل الإثنوغرافية في هذه التقارير وهم كائنات أقر الإسلام بوجودها كما يثبته القرآن نفسه. وهم أيضا من أهم الشخصيات الواردة في قصص ألف ليلة وليلة. ويعتبر كولا ألبيريش، أحد أهم خبراء الإثنوغرافيا خلال حكم فرانكو، أن أساطير الجن قد تأقلمت تلقائيا وبسهولة في المغرب، وخصوصا في الشمال وذلك بسبب «جفاف البسطات الواسعة، وقسوة الجبال العظيمة، وعورة التضاريس العامة، أي بفضل طبيعة المنطقة نفسها». وكل هذه العوامل أثرت على خيال الأهلي الموصوف «بالخيال البدائي» وجعلتهم يؤمنون بوجود تلك القوى الشريرة بينهم[24]. ولا يصدّق كولا ألبيريش ما يشاهده من تجارب الغشية التي تديرها إحدى الطرق الغناوة وذلك ما يجعله يتجاوز حدود الاطلاع الإثنولوجي البخت ليقول عنها إنها ليست إلا تجارب تتغلب الوعي الإحساسي والمنطق نتيجة للبيئة الخيالية التي تصنعها كل من الموسيقى والرقص الجنوني. وهكذا ينهي حديثه بالقول إنه “لا يمكننا أن نفهم أو نستبق، بخيالنا الميكانيكي المفقَر، ماذا سنجد من مخاطر عظيمة وغير طبيعية في المغرب الغامض، المليء بالخرافات والعقائد التي تعود أكثر من ألف سنة إلى الوراء”[24]. وهكذا صار باب الأحلام والخيال مفتوحا.

وبناء على ما سبق أن قلناه، يعتبر كولا ألبيريش أن الربط بين المغرب الشمالي وإسبانيا لا يقع في الثقافة الإسلامية بل في تلك الثقافة «الجاهلية» التي تشابه، في رأيه، الثقافة الأيبيرية. وتمثل عبادة الثعابين إحدى نقاط الوصل، فهذه الطقوس موجودة في المغرب المعاصر مثلما كانت موجودة في شبه الجزيرة الأيبرية قبل الفتح الإسلامي. ولبرهنة هذا الأمر ذهب إلى مدينة برباط (Barbate) في يوليوز 1950 لدراسة رسوم كهف تاخو دي لاس فيغوراس (Tajo de las Figuras) التي تعود إلى عصر ما قبل التاريخ. ووجد الباحث فيه تشابها بين هذه الرسوم وبعضها الموجودة في إيفريقيا الشمالية والتي تتعلق بالسحر ورسم الوقائع التي يراد منها أن تتحقق (magia simpática)[26]. وهكذا يقيم علاقة تقارب بين ماضي شبه الجزيرة الأيبيرية المسجّل في الكهوف وحاضر الدولة المغربية، مما أدى إلى تجذّر صورة عن المغرب في عقول الباحثين تتعلق بعصر ما قبل التاريخ والتي تم تكوينها استنادا إلى العادات والتقاليد البربرية، بالإضافة إلى صورة ثانية عن تلك الدولة تتعلق بحياة المدن الأندلسية التي ازدهرت في القرون الوسطى. وهي الصورة نفسها التي ينقلها هؤلاء الباحثون إلى الناس العاديين، مما يزيد من طابعها الغرائبي.

Tوكل هذه الخصائص عبارة عن أهم سمات الهوية الريفية والجبالية القوية. ويحدد الباحث فيني-زونز (Vignet-Zunz) ثلاثة محاور تتمحور حولها هوية منطقة جبالة[27]. أولا، من خلال دراسة المرأة الجبالية، يستنتج أن علاقتها بالعمل الزراعي أقوى منها في أماكن أخرى في المغرب، وأن عدد الوشوم على جسمها أقل، وأن حضورها في السوق أكثر انتشارا أيضا. وهذا ما يميزها عن المرأة في مناطق أخرى في البلد. ثانيا، يركز هذا الباحث على شغف أهالي جبالة بالحفلات، الأمر الذي يجعلهم مقربين من سكان أندلوسيا، حسب ما أكده عدد لا بأس به من الإثنوغرافيين الأندلسيين. وأخيرا وليس آخرا، يبرز الكاتب أن هذه الأراضي كانت تعاني من انتشار واسع لقطاع الطرق[28]، مثلما كان الوضع في أندلوسيا. وعلاوة على كل ما سبق، فإن الشعور بالانتماء إلى الأرض أقوى عند أهالي الريف منذ إقامة سلطنة أبي حمارة في بداية القرن العشرين وحتى اليوم، مرورا بجمهورية عبد الكريم الريفية المشهورة [29].

السينما، الرسم والتصوير الفوتوغرافي

غير أن أهمية القضية الاستعمارية الوجودية وصلت إلى ذروتها في فترة الجمهورية[30]. وهذا ما نشاهده في فيلم (العَلم، La Bandera) لجوليان دوفيفي (Julian Duvivier)، الذي تم إخراجه في تلك الفترة والذي اعتمد فيه على كتاب بيار ماكورلان (Pierre McOrlan)[31] الذي يحمل العنوان نفسه. وكان المخرج قد أهداها إلى فرانكو بصفته قائد الفيلق الأعلى (Comandante de la Legión) والذي كان قد سهّل له الأمورللتصوير على الميدان بين صفوف العسكر. وكان من لعب دور البطولة الممثل جان غابان (Jean Gabin)، كما أنه تم تصوير المشاهد الأكثر إثارة بين البطل والعاهرة المغربية في إستوديوهات باريس السينمائية، غير أن باقي الفيلم تم تصويره في المناطق الطبيعية الجبالية، بين الشاون وتطوان. ولم تكن هذه أول مرة تطرق فيها دوفيفي إلى قضايا إفريقيا الشمالية، بل كان قد أخرج قبل ذلك فيلمين آخرين هما (بيبي لي موكو،Pépé le Moko) و(الرجال الملاعين الخمسة، Les Cinqs Gentelments Maudites)[32]. ويركز هذا الأخير على المغرب وخاصة المنطقة التي تمتد بين طنجة ومضيق جبل طارق، في جبال منطقة جبالة وفاس-وليلي. وفيه نجد مشاهد عن موسم الحصاد لها قيمة عالية لأنها تتيحنا الفرصة للاستماع إلى الأغاني الجبالية التي ترافق موسم الحصاد.

وفي نفس مستوى دوفيفي، يمكن ذكر (رومانثيرو مارّوكي، Romancero Marroquí) لكارلوس فيلوس (Carlos Velos) ورودريغيث فيلينيو (Rodríguez Veliño)، الذي تم إخراجه خلال الحرب الأهلية الإسبانية، حيث اضطر المخرجان إلى اللجوء إلى مواضيع إثنوغرافية بحتة ومنها كون البطلة المغربية عاهرة محلية لاستحالة توظيف أي ممثلة مغربية للعب هذا الدور. واستطاع المخرجان القيام بعرضه الأول بدعم الألمان في 1939. ورغم قيمتها السينمائية، فإن النخب المغربية فهمته، ولأسباب إيديولوجية، كمديح لخضوع المغاربة للاستعمار وليس كمديح لإنجازات إسبانيا فرانكو[33].

ووصلت الموضة الاستعمارية، بفضل نجاح الأفلام التي سبق ذكرها، إلى السينما الرسمي خلال عصر فرانكو، الذي اعتبره وسيلة لبث الدعاية وليس أكثر. وفي هذا السياق، قامت شركة ب. كاماريرو (P. Camarero) للإنتاج السينمائي بإخراج سلسلة من تسعة أفلام وثائقية بعنوان (المغرب، Marruecos)، من بينها (تطوان البيضاء، Tetuán la blanca). وشجعت الرقابة الرسمية على بثه في 1945 دون ورد أي تحافظات أو حذف أي مشاهد. وذلك لأنه اعتبر فيلما «ذا أهمية وطنية»[34]. وبالإضافة إلى ذلك تم وزع أربع نسخ من ذلك الفيلم في كل من الأراضي الإسبانية وفي المغرب لأهداف دعائية بحتة. غير أن الأفلام الخيالية الوطنية لم تختفي في هذه الفترة، بل استمر إخراجها.

وهكذا أصبح بث الدعاية الفرانكية هو الهدف الأساسي في الأفلام ومن بينها (حركة، Harka 1941) لكارلوس أريفالو (Carlos Arévalo)، الذي يتمحور حول بعض الأفكار الإيديولوجية لم يتردد المخرج في ذكرها في بداية الفيلم وهي أفكار تصفها ألبيرتو إيلينا (Alberto Elena) “بالكريهة”. يبدأ الفيلم بصورة لمقاتل مغربي راكبا حصانه وخلفه يُسمع صوت امرأة نوبية تصرخ: حركة! وتدل هذه الكلمة على جيش مغربي غير نظامي، غامض التكوين وشجاع جدا، تمرّد على سلطة المخزن. ولمواجهة مثل هذا التهديد كان على المخزن، بالإضافة إلى استخدام القوى العسكرية الوطنية النظامية، أن يكوّن بعض الحركات التي باتت تحت أوامر الضباط الإسبان الذين كانوا الأوروبيين الوحيدين في الحركة، وكان عليهم القيام بواجبهم بالكثير من الشجاعة، وروح التضحية والمعرفة عن الهوية المغربية. “وصار بعض هؤلاء الضباط رموز أمجاد الجيش الإسباني (...) في حين سقط ضباط آخرين في النسيان إلى الأبد. وقد بدأ هؤلاء مسيرتنا الإمبيريالية وأقاموا بدمائهم المسفوكة علاقة الأخوة بين الإسبان والعرب”[35]. ومن أجل بث مثل هذه الدعاية في الأوساط الريفية، نقلت مندوبية الشؤون المحلية (Delegación de Asuntos Indígenas) بتطوان جهازا متنقلا لإسقاط الأفلام إلى تلك المناطق. وهذا استجابة لنظرية قوة تأثير الصور السينمائية وضرورة انتشارها.

وتم في عام 1942 إخراج فيلم وثائقي جديد مستوحى من أفكار إستانسلاو رولاندي (Estanislao Rolandi)، وهو فيلم عن طنجة، المدينة التي سمي الفيلم باسمها. ويبدأ الفيلم بخروج سفينة من قادش ويأتي بعده مشهد لطنجة القديمة المصابة بالخراب وهو مشهد تتناقض مع بنية المندوبيات الأجنبية الحديثة. وفي الخلف، نشاهد «السكان المحليين بملابسهم وعاداتهم المختلفة عن تلك الأوروبية». وفي نهاية الفيلم، نرى «بعض أمثال الرقص التقليدي في البلد، وبعض الرجال والنساء الأصليين، بالإضافة إلى أهم بناية يتموج فوقه العلم الإسباني، الرمز الأحمر والأصفر الذي يحمي طنجة المغربية التي لا كان بد أن تظل إسبانية إلى الأبد»[36]. وأخرج المخرج نفسه فيلما وثائقيا آخر عن الشاون بهدف إبراز طبيعة المدينة المتعصبة عبر المشاهد القبلية والآثار الحضرية الموجودة. وهناك أفلام أخرى بأهداف أبسط من تلك الأخيرة ومنها الفيلم الذي تم إخراجه في نفس السنة (1942)، (تطوان المدينة البيضاء)، وأيضا (مدينتان مغربينان جميلتان) لفرانثيسكو كوستا سالاس (Francisco Costa Salas) والذي ينوي فقط إظهار «المظاهر، والعادات والتقاليد الإفريقية» [37]. وكان الهدف الدعائي في تلك الأفلام هو الأساس.

وخلال السنين ما بعد الحرب، تم إخراج (طنجة أو أسرار طنجة، Tánger o los secretos de Tánger) الذي يشابه روايات الكاتب والصحفي والجندي الغرناطي رفائيل لوبيث رياندا(Rafael López Rienda)[38] الذي تدور وقائعه في فترة الحماية. وفي هذا الفيلم نسمع ما يلي: «كانت طنجة، في حوالي سنة 1924، بؤرة المهربين الذين كانوا يأتون بالأسلحة والدخائر يوميا إلى أراضي حمايتنا وذلك رغم المواجهة التي قادها كل من مدير الفيلق الإسباني، العقيد ألفيار (Alvear) والمغربي المؤيد للقضية الإسبانية سيد محمد الناصري والذي كان يعمل مديرا للشرطة الطنجوية». وكانت إحدى البطلات في الفيلم الممثلة إسترييتا كاسترو (Estrellita Castro). ونصحت أجهزة الرقابة الفرانكية بحذف بعض «الـ مشاهد الفاحشة والإيباحية» كي يبقى الفيلم ضمن حدود قواعد اللياقة وبعيدا عن التلميحات الشهوانية»[39]. وفي سنة 1948 تم التخطيط لإخراج فيلم (خنجر طنجة، La garganta de Tánger) لأنتونيو غرثيس مارثييا (Antonio Garcés Marcilla) وببطولة كل من ألفريدو مايو (Alfredo Mayo) وراؤول كانثيو (Raúl Cancio) وسارة مونتيال (Sara Montiel). ويروي الفيلم قصة وجيه إسباني مفلس لجأ إلى طنجة رغم إرادته للرجوع إلى إسبانيا. ولكنه، بعد الخروج من بيت عائشة، المرأة المغربية التي تحبه حبا مجنونا، يتم اغتياله. ولذلك، نجد كل مكونات التآمر الغرائبي متوفرة في هذا الفيلم، من لعب البوكر في الساعات المتأخرة من الليل إلى النساء الغنيات المثيرات للرغبة الجنسية. ولاحظت أجهزة الرقابة الفرانكية أنه يمكن أن يصعب على الفيلم، بغض النظر عن طابعه التجاري، إعطاء صورة مضبوطة عن «الطابع النبيل الإسباني» في بيئة عالمية40. وعلى أي حال ظن المراقبون أن القصة مقبولة إلا أنهم عبروا عن تحفظاتهم حول الوسائل التقنية اللازمة وغير المتوفرة لإخراج مثل هذا الفيلم، والتي بدونها، قد يصاب كل من المخرحين والدولة بالحرج. وبغض النظر عن ذلك، فإن النقد الوحيد المهم الذي عبرت عنه الرقابة هو المشهد الأخير الذي يركز على عقيدة القضاء والقدر الإسلامية («المكتوب»)، وهي فكرة كان لا بد من تجنب انتشارها في الوطن الإسباني الذي كان يحتاج إلى المزيد من الشعور المزيف بالسعادة الناتج عن إنجازات النظام.

ورغم انتشار الإنتاج السينمائي المحلي أصبح الإنتاج الأمريكي المسيطر تدريجيا[41]. وفي البداية، كان منح التراخيص لإخراج الأفلام الأجنبية محكوما بمبدأ التبادلية أو المعاملة بالمثل. وعندما كانت القصص تتعلق بالعصر الاستعماري لم تكن الرقابة ترخص إخراجها إلا إذا كان السياق العام الذي تدور فيه الأحداث يعود إلى بداية الألفية الثانية. ويمثل الفيلم (رود تو موروكو، Road to Morocco) الذي أخرجته شركة باراماونت بيكتشرز والتي تم الترخيص لها رغم شدة الرقابة في تلك الفترة، مثالا عن ذلك. وهكذا، فإن الشخصيات الرئيسية في الفيلم هي الرجال الناقصي الشرف، وأميرة عربية وأحد علماء الفلك يتنبأ بالمستقبل. ولكن التبعية التقنية للخارج في هذه الفترة كانت واضحة، كما يثبته كون إحدى قاعات العرض في مليلية تديرها شركة غومون (Gaumont) الفرنسية.

أما التصوير، فكان استخدامه محدودا، لأنه كان يعتبر وكأنه أخت فقيرة للسينما، الذي أوصل الدعاية إلى آفاق أوسع. وذلك بسبب سحر التصوير، وخلود الرسم وأبدية صوره، خاصة تلك التي توصف بالاستشراقية. ولا بد هنا من ذكر إحدى مرجعيات الرسم الاستشراقي: ماريانو بيرتوشي (Mariano Bertuchi) الذي أتاحنا الفرصة لإمعان النظر، عبر رسومه، في الصناعة اليدوية التقليدية والعادات المغربية في تطوان[42]. ويقيم غارثيا فيغيراس علاقة بين انطباعات بيرتوشي عن مدينة غرناطة وانطباع عندما زار المغرب لأول مرة في الرابعة عشر من عمره. ويعود الفضل في اكتشاف موهبة الشاب إلى حنبعل رينالدي (Aníbal Rinaldi)، مترجم العميد أودونيل (O’Donnell)، والذي، بعد مشاهدة رسومه، دعاه إلى طنجة. وطلب بيرتوشي بدلة مغربية مقابل السفر، وذلك في عام 1898. وفي سنة 1912 كان بيرتوشي لا يزال يقيم في مدريد في فترة مليئة بالأحداث المهمة في تاريخ المغرب. وعندما ظهر مجلة (آفريكا) في مدينة سبتة في عام 1924 كان بيرتوشي على رأس قسم تحريرها. وكان يدعم أيضا الفن الطوابعي من منصبه كمسؤول عن الفنون الجميلة (Inspector de Bellas Artes) والمسؤول عن جناح المغرب (Comisario del Pabellón de Marruecos) في المعرض الدولي الذي انعقد في إشبيليا سنة 1929. وبالإضافة إلى ذلك، تم عرض رسومه في المعرض الإسباني-المغربي في الذي انعقد مدريد سنة 1932. غير أن بيرتوشي لم يحصل على شهرته الحالية إلا في تطوان حيث وُجد في حديقة مدرسته الكثير من الأشجار التي قد جاءت من غرناطة. واعتبر غارثيا فيغيراس أن نوعا من السحر قد استخدم من أجل هذا النجاح غير العادي:

وبعد ذلك قام بيرتوشي ببناء متحف تطوان، حيث كان يريد «إحياء مفهوم الصفاء الذي سيحمي أي عمل فني من تأثير الأساليب الحديثة (modernismo)، التي عادة تستجيب لأذواق السياحة والسوق ومصالحهما مهددا المتاحف بتحويلها إلى متاحف دون أهمية أو معنى، كما أنه لا بد من مواجهة خطر تأثير ولع الإسبان بإضافة بعض العناصر المعمارية إلى المناظرالطبيعية الجميلة لرسمها بعد ذلك [وهي تقنية معروفة بالـ pintoresquismo]». ويشير غارثيا فيغيراس إلى أن الفترة الأكثر إثمارا كانت تلك التي دارت بين 1939 و1945، بالتزامن مع أوج حركة إبراز الهوية الإفريقية (movimiento africanista) في فترة فرانكو الأولى. وبدون أي شك، كان بيلوشي، في منافسته المباشرة مع فن التصوير المتصاعد الأهمية، آخر كبار المستشرقين.

وجذبت مدينة تطوان عددا غير محدد من الإستوديوهات التصويرية والمصوّرين، من بينهم بارتولومي روس (Bartolomé Ros)، وفرانثيسكو غارثيا كورتيس (Francisco García Cortés) اللذين خلّفا عددا هائلا من الصور، بعضها متعلقة بالـ»عمل التثقيفي» الإسباني، وبعضها الأخر مما سماه خ. ل. غوميث (J. L. Gómez) «تصوير الشارع»[43]. ويغطي معرضنا هذا جزءا مهما من تلك الفترة بفضل الاستفادة من الصور الموجودة في مكتبة تطوان العامة القديمة.

ولكن لا بد من إثبات أنه، بينما كان الفن التصويري ينتشر بين النخب التي كان بوسعها دفع تكاليف الدراسة، كان انتشارهواية التصوير بين الناس العاديين في إسبانيا وفي منطقة أندلوسيا خاصة وهي التي تهمنا هنا للمقارنة مع المغرب، أسرع بفضل تأسيس جمعيات المهتمة بتصوير الحياة اليومية أو المناظر الطبيعية خلال الجولات المنظمة لذلك الهدف، وخاصة منذ بداية القرن العشرين. ومن بين تلك الجمعيات، قسم التصوير في المركز التصويري والأدبي في غرناطة (Centro Artístico y Literario de Granada) الذي ظل ناشطا بين عامي 1912 و1930. وكان هدف جولات يوم الأحد التي كان ينظمها المركز التقاط بعض الصور عن الحياة اليومية والتراث[44]. ومقابل ازدياد حب الناس العاديين بهذه الهواية، فإن صناعة أدوات التصوير لم تتطور في إسبانيا إلا بنسبة قليلة جدا.

وهناك على الأقل ثلاث شخصيات مهمة في مجال فن التصوير قضوا فترة من حياتهم في المغرب، وهم أورتيث إيشاوي (Ortiz Echagüe)، وألفونسو (Alfonso) ونيكولاس مولير (Nicolás Muller). وكان أولهم ينحدر من عائلة ذات علاقة بفن التصوير، فكان عمه فرانثيسكو إيشاوي سانتويو (Francisco Echagüe Santoyo) عسكري قد رافق وفد مارتينيث كامبوس لمقابلة السلطان مولاي حسن في مراكش سنة 1894، وهي زيارة فصّلها في حكاية مصوَرة[45] وصلت إلى يومنا هذا. وكان عمله دليلا على قرب وصول الحداثة عبر ما سمي بتقنية الـ(pictorialismo)[46]، التي تهتم برسم المناظر الطبيعية والأشخاص ضمن مشاهد منامية طوره إيشاوي بشكل خاص. أما ألفونسو فتجربته في المغرب كانت عبارة عن امتداد لعمله كمراسل في الجزيرة الأيبيرية حيث كان قد صور منفى سلطنة مولاي خافظ.

ومن الأرجح أن أهم ما يمكن ذكره في هذا السياق هو الكتاب الذي حرره الألماني نيكولاس مولير عن فن التصويرعنوانه «مشاهد مغربية» (Escenas marroquíes) والذي يحتوي على مئة صورة ترافقها تعليقات أدبية كتبها رودولفو خيل بينومييا (Rodolfo Gil Benumeya). وفي هذا الكتاب الذي صدر عام 1944 يبدأ خيل بينومييا بمقارنة التشابهات بين الجنوب والشمال حسب نظريته عن الهوية الأندلسية المشتركة بين المغرب الشمالي والمنطقة الجنوبية من الجزيرة الأيبيرية [التي أطلق عليها مصطلح Mediodía، والذي يدل على نقطة الوسط والذي يعني باللغة الإسبانية منتصف النهار، أي الظهر]، بدل من وضعهما، أي الشمال والجنوب، في حالة تعارض عبر استخدام مصطلحي الشرق والغرب[47]. وينصحنا خيل بينومييا، الذي يرى المغرب على أنه متحف حي، الاطلاع على البلد «ليس بالتنقل بين الأماكن، بل بالعودة الممتعة إلى زمان مضى»: وهكذا يركز على الشغف الذي يثيره المغرب في من يزوره وقوته التي توقظ الخيال. «إن المغرب كله عبارة عن شغف ينعكس في داخلنا لتحريك حياتنا الباطنية، ولكنه له انعكاس خارجي أيضا نلمسه في الألوان والعطور»[48]. ومن هذا المنظور، يصف بينومييا صور نيكولاس مولير، الرجل الألماني الذي انتقل إلى إسبانيا، بال»فنية»: «إننا في صور مولير نجد أخيرا انعكاس التباين الملموس بين الشغف والهواء، وبين الأضواء الساطعة والظلال المتركمة في بلد تسود فيه تقنية الكياروسكورو، وهي صور لا ينطبق عليها قوانين الرياضيات الدقيقة والباردة، بل تبيّن لمن يطلع عليها أن المغرب يقع في أراضي الشعر والفن العظيمة الحرة». ويضيف بينومييا أن ما تدور في صور بينومييا هو الحياة اليومية العادية.

وتعليقا على صورة لمدرسة الفنون الوطنية في تطوان (Escuela de Artes Indígenas)، يقول خيل بينومييا: « إنه بفضل الأضواء، والألوان وتزيين الحديقة والتقتية المعمارية الغرناطية تصبح المدرسة الأجمل من نوعها، وهي تذكرنا بأن من يحافظ على جمال الفن الأسباني-المغربي هو رسام غرناطي، ساحر الألوان والأضواء». ويصف قصر الخليفة في تطوان، الذي تم بناؤه في القرن الثامن عشر، بأكمل مثال عن الفن الإسباني-المسلم، وهذا الفن هو ما يعتبره خيل بينومييا نقطة الربط الأخوي بين الشعبين. وفي حديثه عن البيوت الشعبية يقول إنها لم يتم تزيينة بل «إلباسها» كي تتحول إلى أمكان ينسى فيها التوتر، كما أنه يعتبرها نسخة عن النموذج المعماري الأندلسي: «إن القصور والفلات الفاخرة التي نجدها في تطوان تعكس أسلوب قصر الحمراء المعماري». وفي ما يخص الأعمال الفنية التي تصنعها الفنانون في تلك المدرسة، يؤكد الكاتب أنهم «يحبون الأشياء الصغيرة، والنعيمة، الكاملة، المكتملة والمصغّرة»، «لأنهم يفهمون الحياة كتجربة ممتعة تجعلهم يجتهدون من أجل إكمال أشياء جميلة، حسب منطق ما وراء الطبيعة». وكانت البنات يصنعن السجاجيد في نفس المدرسة. وفي نهاية المطاف ما يريد الكاتب إبرازه هو الدور الذي تلعبه أعمال الفنانين كنقطة وصل بين «الروحين» البربرية والعربية. وفي الصناعة اليدوية التقليدية يعتبر خيل بينومييا أنه يتم خلال العمل اندماج الفنان وعمله في نفس واحد، ما يجعل مرور الوقت يتوقف. وبفضل هذا التوقف المؤقت، يعود إلى المقارنة السابقة بالحياة الغرناطية: «ويذكرنا جوهر هذه الصناعة التقليدية المسلمة التي تنشر وتزرع ألوان بأن هؤلاء الفنانين ينحدرون من الهوية الغرناطية»

أما البناء، فيبرز خيل بينومييا الأبنية التي نجدها في غمارة، أشهرها الأكواخ المصنوعة من القش. ومن بين المحلات التجارية في المدن تلفت انتباهه دكاكين البقالين التي يصفها بالحوانيت «الصغيرة والتي يصعب الوصول إليها فهي مختبئة وضيقة مثل القبور والخزائن، وهناك يقضي الباعون ساعات صامتة ويبيعون من حين لآخر البضائع ببطء وأناقة، ما يجعل عملهم يبدو أقرب إلى الفن منه إلى العمل التجاري». ويلفت هذا المصور والمعلق انتباه القارئ إلى سلال الخوص التي تصنع في الشاون. إلا أن وصول الحداثة يصبح ملموسا حين يصف أصوات الأسواق، وخاصة السوق الكبير، عبر مزيج من الموسيقى مثل الجاز والفوكس وهما يخرجان من إذاعات المدينة. ولا ينسى أيضا رائحات الأرز، والنعناع، والخبز الطازج، فتلك الأصوات والرائحات هي التي تثير معظم المشاعير والأحاسيس. وهناك، بين الصور، مكان محجوز أيضا لعمال مناجم الفحم الجباليين وهم ينزلون من الجبال. وبعد ذلك تركز الصور على ملابس الأطفال بقفاطينهم الفاخرة ومنصورياتهم وشرابلهم الذهبية، بالإضافة إلى بعض الصور التي تظهر عددا هائلا من المجوهرات. وبعد ذلك، نجد في الكتاب سلسلة من صور الحياة اليومية التي يمكن تصنيفها بالإثنوغرافية، والتي تظهر حالات مثل الخروج من الكتاتيب، وجري ماء النوافير، وما إلى ذلك. وهناك أيضا باب للبورتريهات التي تبرز نبل الأشخاص وجمالهم. وبفضل معرفته الواسعة عن المنطقة، يعلّق بينومييا على صور النساء المحجبات والأسرار التي يفترض أن تختبئ وراء كل حجاب، بالقول أن «هذا انطباع سطحي ومزيف ولكنه يزيد من حماس السواح وفضولهم». وهناك صورة يذكّرنا بما قاله غائتان دي كلارمبو (Gaëtan de Clérembault): «إن سحر المغرب يكمن في الملابس البيضاء التي تغطي أجسام نسائه السمروات والتي لا تظهر إلا نظراتها. وهي نظرات تخرج من عيون تعاكس إما حماس الحروب بين حراب الرموش، أو البراءة التي تسرق لمعات النبتات الخضراء من الحدائق المخفية. غير أن كلها عيون تحترق وتلمع أكثر عندما تتجلى من بين الغطاء الأبيض».

وهناك أيضا باب خاص للحفلات حيث يركز التصوير على الشخصيات المهمة مثل الوزير الذي يركب البغل أو الخليفة الذي يمشي تحت المظلة. ويرافقهما الجنود المخزنيون الذين يمكن تمييزهم عن طريق بدلاتهم الملونة التي تتغير ألوانها حسب الموسم. ومن بين الحفلات، أهمها في التقويم الإسلامي مولد النبي حيث تقوم الطرق الصوفية بالمسيرات تليها مسيرات خبراء الصناعة اليدوية التقليدية، وهما، أي الطرق الصوفية وخبراء الصناعة، من أهم دعائم المجتمع المغربي. ولا تنقص في الحفلات الألحان التي تغنيها عادة طرق العبيد القدامى من الغينيين أو السودانيين –الغيناوة-، من أجل الدخول في «حالة شبيهة بالسكر الذي يختل المخ حتى يقع الشخص بنوم مربك». وهناك أيضا حفلة للأطفال تدعى العشوراء حيث يوجد ألعاب للأطفال مثل الأرجوحات القديمة الخشبية. إلا أنها بالإضافة إلى ذلك، حفلة يحتفل بها كل العالم الإسلامي وخاصة الشيعة، فهي تأتي في ذكرى اغتيال الحسين ابن علي. كما أنه لها معنى خاص في منطقة جبالة حيث يقوم الناس بعدد من الطقوس خلال الليل لاجتذاب البركة. وفوق كل ذلك، هذا الاحتفال يشابه ذلك الذي ينظّم من أجل استقبال الملوك المجوس، وهو من التقاليد المتجذرة في أندلوسيا: «هناك نرى النواعير وغيرها من الأدوات والألعاب الصغيرة التي تثير فرح الأطفال، بالإضافة إلى المطيشة والحلويات التي لا يتوقف البائعون عن عرضها للناس في الشوارع، جاعلين عيون الاطفال تلمع من الشهوة». وبين كل هذا لا بد من ذكر وجود بعض الألعاب الأوروبية الصناعة[49] وذلك لأن المصورين، كما قلنا، لا يغفلون أبدا آفاق الحداثة التي تقترب.

يركز كل من مولير وبينومييا على مدينتي الشاون وتطوان لإبراز الجلاء والقتمة في ألوانها (الكياروسكورو)، وهما المدينتان التي يتم مقارنتهما بأندلوسيا بشكل متكرر، فيقول: «إن كل المدن المثقفة في المغرب هي مستعمرات أقامها المهاجرون من وادي الكبير». وهذا في سبيل تبرير أفكار خيل بينومييا ومنظرين آخرين حول القومية الأندلسية الموسعة التي تتمحور حول التشابه بين شمال جبل طارق وجنوبه (الـmediodía السابق الذكر)[50]. ولذلك لا يرى في نظرة الأطفال ما يلمح إلى الغرائبية، بل «التشابه بالعالم الأسمر الذي ينتمي إليه كل من الأيبيريين واليونانيين، واللاتينيين والعرب». وفي سياق القومية الأندلسية، ينتهي الكتاب بصور لعزف نوع من الموسيقى يعتبر من أصل غرناطي، والذي نقرأ في الكتاب أنه قريب من الفلامنكو الأندلسي، حيث يوصف بـ«ترس الأصوات المسنن». وينتهي هنا مراجعتنا لهذا الكتالوج الذي يحتوي على مئة صورة وتعليقاتها من فترة الحماية الإسبانية في المغرب. وقمنا بهذا العمل من باب المعرفة والفضول وليس من باب اتهام المصورين بالقيام ببحوث سطحية عن الطابع الغرائبي للمغرب، لأنهما حقا لا يهتمان بذلك، بل بالشعرية التي تعكسها الصور نفسها والتي يتم ربطها بأندلوسيا.

وبالتزامن مع هذا الكتالوج، تم إكمال اثنين آخرين لم يصدرا بعد إلى حد معرفتنا، وهما موجودان في قاعة غارثيا فيغيراس في المكتبة الوطنية. يحتوي أولهما على 66 صورة بالأبيض والأسود من العقد بين 1940 و1950[51] تم تنظيمها بشكل فني جدا والتي نرى فيها أشخاص يقومون بمهنهم من مثل: الحلاقة، وقيادة الشاحنات، والعمل في محطات توليد الكهرباء، والمشاركة في الاجتماعات الريفية الإدارية، والزراعة، والعمل بالحديد، الطبخ والحرث وتربية الحيونات مثل الديك الرومي، والبقر، والدباغة، والخياطة وصناعة الشرابل. وبالإضافة إلى ذلك، هناك صور لمناظر ريفية، وأخرى تظهر الأشخاص المرضى، كما أنه هناك صور خاصة لأعمال زراعية مثل الحرث والعناية بنبتات الطماطم. وعلاوة على ذلك، هناك صور تتعلق ببناء بيوت عائلات السجناء أو بأساليب البناء مثل استخدام التربة المدكوكة أو صناعة أنبيب الإسمنت، بالإضافة إلى شرح بسيط لكيفية بناء أقفاص الدجاج. ولسوء الحظ لا نعرف ما المقصود بهذا الآلبوم لأنه لا يرافقه أي نص، إلا أنه يمكن إثبات بطريقة شبه مؤكدة أنه لم يشارك فيه إلا مصور واحد وأن تقنيته كانت عادية جدا، ولا تليق بشخص مخضرم يريد أن يصنع أعمال فنية. ونلاحظ في صوره أن التركيز هو على العالم الريفي، بغياب تام للعالم الحضري. ويصبح مدح الـ«عمل التثقيفي» الإسباني الليتموتيف المتكرر.

أما الآلبوم الثاني، فهو يركز على الذكرى الثالثة لتولي توماس غارثيا فيغيراس رئاسة مندوبية الشؤؤن المحلية (Delegación de Asuntos Indígenas)، في عصر المفوض الأعلى غارثيا فالينيو (García Valiño)[52]. وإن أول ما يلفت نظرنا هو غطاء الآلبوم المصنوع بالجلد، والذي نقرأ عليه: «إلى السيد توماس غارثيا فيغيراس المحترم، من موظفيه في الشؤون الوطنية، بكل المودة والاحترام، في الذكرى الثالثة من تولّيه رئاسة المندوبية». وتأتي في مقدمة الآلبوم، صورة لرسالة كتبها بيده غارثيا فالينيو والتي تقول ما يلي: «إن زيارتي إلى المندوبية اليوم لم تخدعني إطلاقا فإني رأيت التقشف في البناية، واحترام العادات في كل تفصيل، وأحسست بالولاء لتلك الشخصيات التي تركت آثارها العميقة بعملها ومثالها، والتنظيم والانضباط... هذا ما كنت أتمناه من المندوبية وهذا ما وجدته فعلا!» يبدأ الآلبوم بصورة لقسم السياسة في المندوبية، حيث يلبس المسؤولون رداءات بيضاء وعليها أوسمتهم. وبعد ذلك يبدأ النص بشرح تنظيم مقر الخدمات الإصلاحية (Jefatura de Servicios Penitenciarios)، حيث كان العمال الموجودون هناك جناة تتراوح أعمارهم ما بين الـ10 والـ16 سنة. وكان هناك حوالي 50 شخصا في كل من معتقلات بني جرفط وأكادير وابن طيب. وكان المعتقلون فيها يعملون تحت أوامر سجانين مغاربة آخرين وكانوا يقومون بالأعمال الصناعية والبنائية والزراعية. وعلى سبيل المثال تظهر صور ابن طيب أعمال البستنة وتبييض الجدران، في حين تظهر تلك الملتقطة في أكادير أنشطة رياضية. كما أننا نرى في صور بني جرفط القيام بصناعة السلال وأعمال النجارة بالإضافة إلى مباريات كرة القدم. وفي ما يخص معتقلات البالغين من العمر كان هناك نوعان: أولهما المعتقل الواقع في واد لاوى الخاص بمرتكبي الأعمال الإجرامية الخطيرة، وثانهما تلك المعتقلات الموجودة في تطوان، والعرائش، والشاون، وفيلا سانخورخو (الحسيمة)، والناظور، وأصيلة، والقصر الكبير الخاصة بهؤلاء الجناة الذين تتراوح عقوباتهم ما بين ثلاثة أشهر وسنة كاملة. وكانت القبائل نفسها تشرف على العقوبات التي لا تتجاوز مدة ثلاثة أشهر وفق القانون العرفي المغربي. ونرى في صور معتقل واد لاوى البساتين التي صنعها المعتقلون، بينما تظهر صور معتقل تطوان مدرّج مسرح المدرسة والمصلى الذي زينه الجناة. أما الناظور، فنرى في الصور كيف يعمل المعتقلون في بناء بيوت للموظفين الذين يعملون هناك. وثمة أيضا صورة للجناة وهم يصنعون أدوات من البلميط وتحتها نقرأ أن العمل أمر إجباري في السجون وأن المعتقلين «يأخذون حقهم المناسب» مقابله، وأن الشباب يتعلمون بعض المهن تحت إشراف أحد المعتقلين الإسبان. وكان فن التصوير يُستخدم لتوعية الناس عن أهمية النظافة الجسدية والطب. وفي هذا السياق، تكثر الصور التي تظهر مهن مثل الحلاقة، والتعليم في المدارس النسائية، والزراعة والخياطة.ويشرح النص أنه في قسم الرقابة يتم اختيار حوارين سرّيين وترجمتهما يوميا، بالإضافة إلى كل ما سبق قراءته من رسائل وتلاغرامات (24.000) وكتب، ونشرات ومجلات (5.200، من بينها تلك المكتوبة بالعربية). ويتحدث الكتاب أيضا عن ما يعرف بمتحف التدخلات الإسبانية في المغرب (Museo de Intervenciones)، حيث توجد ثلاث غرف يمكن فيها الاطلاع على تاريخ الوجود الإسباني في المنطقة منذ 1860 من خلال مذكرات المراقبين السابقين. ومن أجل نشر الثقافة في المناطق الريفية، هناك مكتب خاص ذو مكبرات صوت ثابتة في الأسواق وأخرى متنقلة، بالإضافة إلى إحدى عشرة مكتبة متنقلة تحمل ألف كتاب. وفي أرشيف بحوث المراقبين كان يوجد ما لا يقل عن ثلاثة آلاف بحث. ويضاف إلى كل ذلك صور للساقيات والمصاريف التي تم بناؤها في البرك، وصور لحملات التلقيح ضد مرض الجدرى وحملات التطهير من أجل الوقاية من الملاريا. وزد على ذلك صور لأعمال تصليح الآبار وأبنية العيادات الطبية الريفية. وفي مجال البناء، يشار إلى الحي الذي تم التخطيط له ليصير مسكن المسلمين من الطبقات المتواضعة في مدينة العرائش. وفي ما يخص الأنشطة الرسمية، نجد بعض الصور عن حفلة افتتاح محطة الباصات في تطوان والتي، مثل ما هو حال سوق الخضار في تطوان، تبدو وكأنها تم تصويرها قبل إتمامها. ولا حاجة للتأكيد على أن تطوان كانت رأس الحربة لإدخال الأساليب المعمارية الحديثة، حيث أصبحت رائدة العمل الحضاري الإسباني[53]. وفي الحقيقة، فإن هدف الصور هو المساعدة على نشر الدعاية حول «المهمة الحضارية» الإسبانية في المغرب، باستثناء تلك التي تخص المعتقلين.

أما الحياة الديبلوماسية والرسمية التي تم تصويرها بتقنية مميزة والتي تمثل عكس الحياة الشعبية، فيمكن الإشارة إلى الدور البارز الذي لعبه الخليفة وبيئته، بصفته الشخصية الرمزية في الجانب «الإسباني» من الحماية. ويجب ألا ننسى في هذا الموضوع، أن إسبانيا لم تحصل قط على حقوق حقيقية في المغرب من وجهة نظر قانونية، وذلك لأن عقد إقامة الحماية وقع عليه السلطان مولاي حافظ (بكل التحفظات التي عبر عنها) والجمهورية الفرنسية. وهكذا يمكن القول أن إسبانيا حصلت على نوع من حق الانتفاع في المغرب بفضل ما تم الاتفاق عليه في الجزيرة الخضراء في 1906 لإثبات ما كان أمرا واقعا منذ سنتين . ومن ثم، كان على الخليفة أن يحصل على قبول الولي العام الفرنسي والمفوض الأعلى الإسباني بعد انتخابه من قبل الشرفاء. وكان هدف هذا الانتخاب شرعنة سلطته والانتساب إلى العائلة الملكية العلوية[54]. وكان على الخلفاء المتتالين، وهم أعضاء العائلة الإمبيراطورية الواسعة، القيام بزيارات إلى إسبانيا لتكثيف العلاقات والأخوة «الروحية الأسبانية-المغربية» التي كانت بدورها العامل الأساسي لشرعنة الوجود الإسباني في المغرب وخاصة في عاصمة الحماية تطوان.

وللعودة إلى التصوير، من وجهة نظر تحليلية، هناك كُتيب حرّره المكتب الوطني للسياحة (Patronato Nacional de Turismo) الذي رغم عدم ذكر تاريخ صدوره، من الأرجح أن يكون قد صدر بين أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات. وتكمن أهميته في تركيزه على العلاقة بين المغرب وأندلوسيا[55]. وتوجد في وسط هذا الكتيب خريطة تشمل المنطقتين المغربية والأندلسية وكأنهما وحدة إدارية وسياسية تقوم الخطوط البحرية بتوحيدها عبر»الحدود السائلة»، التي تعتبر حدودا اصطناعية أو مجرد نتيجة سوء الحظ. والصور ال37 التي تحتوي عليها هي عمل كل من المصورين يادو (Lladó)، وونديرليش (Wunderlich)، ولوتي (Loty)، وسيرّانو (Serrano) والمؤسسة العسكرية الجوية. ويركز هذا المنشور على المزاج القوي الأندلسي وسهولة تأقلم الفن العربي في شبه الجزيرة الأيبيرية على غرار ما سميتُه بـ»اختراع الفن الإسباني-المغربي» الذي يتبع النموذج الفني السائد في المنطقة الجنوبية الإسبانية[56]. وتقع المشاهد الأندلسية التي تحتوي عليها الكتيب في فخ الصور النمطية وهي تظهر طقوس عيد الفصح، والمسيرات الدينية، مصارعة الثيران والحدائق التقليدية، وما إلى ذلك، في حين تتمتع الصور المغربية بدرجة عالية من التقنية الفنية، مما يزيد من أهميتها وفق اعتبارات فن التصوير. وما يبرر صدور مثل هذا الكتيب هو عامل تجاري، فهو يدمج القيمة السياحية الأندلسية بتلك المغربية، وذلك من خلال رسم خطوط وسائل النقل البحرية والبرية (القطار والباص) بين المغرب ولندن- ساوثهامبتون وجبل طارق ومنه إلى ملقا و حتى لندن. إذا، لم يستح المكتب الوطني للسياحة في جهوده لاجتذاب السياحة البريطانية فاندمج - في كيان واحد وموحد- المناظر والمشاهد السياحية الجميلة الموجودة في البحر الأبيض الغربي. وليس هذا فريدا من نوعه، بل هناك عدد أكبر من الدلائل السياحية التي لا تستحي من اظهار الضفتين وكأنهما موحدتان في مشروع تطوري مشترك. ومن بينها دليل أفروديسيو أغوايو (Afrodisio Aguayo) الصادر في سنة 1952 التي تندمج كل من أندلوسيا، وجزز الكنارية والحماية المغربية في كيان واحد، حيث يشار إلى الرغبة التي تصيب الزائر بعد رؤية أندلوسيا للذهاب إلى المغرب، لأنه بينهما «امتداد تاريحي وجيوغرافي»[57]. وباختصار، كان المقصود هو التأكيد على الأخوة بين الإسبان والمغاربة في كل المجالات، من الأدب، إلى السينما، مرورا بالطوابع والأفلام الوثائقية58. ولا بد من تحديد أن هذه الأخوة تربط فقط بين «الأندلسيين وسكان المغرب الشمالي» وليس الشعبين المغربي والإسباني بشكل عام.

وهذا يثبت من جديد فعالية مشروع التهدئة، ويشرح لماذا العمل «الحضاري» الإسباني في خمسينيات القرن العشرين وصل إلى حدود أبعد من تلك التي وصلت إليها الحماية الفرنسية التي ارتاحت أكثر من اللازم بعد انتصارت ليوطي في عشرينيات ذلك القرن.

وهناك قضية لا بد من عدم تجاهلها وهي سهولة الانتقال من عصر الحماية الإسبانية إلى عصر الاستقلال بفضل سياسة الأخوة الأندلسية. وهي السياسة التي قد سبقتنا فرنسا فيها من خلال «منهج ليوطي» الذي جذب قلوب المغاربة وأثارمودتهم، إلا أن الفرنسيين باتوا متخلفين في ما بعد. وكما ذكره فيكتور موراليس (Víctor Morales)، فإن الأزمة التي أصيب بها نظام الحماية سمح لفرانكو بتقديم نفسه أمام المجتمع الدولي كصاحب الولاء للعائلة الملكية العلوية، واستنكار تصرفات فرنسا، بالإضافة إلى الظهور كبطل مكافحة الشيوعية المضدة للعولمة التي صارت تحظى باسبقبال ضخم في الدول الصاعدة[59]. وبطبيعة الحال، تفوجئ الكثيرون بإعلان إسبانيا نفسها عن استقلال المغرب فكان المتوقع أن يحدث ذلك بشكل تدريجي[60]. وكان فيرناندو فالديرّاما (Fernando Valderrama) من نقل لنا وصفا لسهولة هذه العملية الانتقالية، التي كانت عبارة عن تسليم السلطات بين «صديقين قديمين» يوم 7 أبريل 1956: «أتذكر أن مراسم تسليم السلطات كانت بسيطة، وجرت في جو من الصداقة والعواطف الإيجابية ويمكن وصفها بكونها حوارا عاديا أكثر من إجراء رسمي، حيث كان الوضع متشابه بذلك الذي تتبادل فيه مجموعة من الإصدقاء أخبارهم، وشُرب الشاي مثلما يُشرب في الاجتماعات العائلية. وبين رشفات الشاي، وعطر النعناع ورائحة زهر البرتقال، تم تسليم ما كان مشتركا في الماضي إلى أصباحه الجدد، أي المغاربة»61. وهذا اختصار دقيق لهذه الإجراءات التي اتفقت عليها نخب ضفتي مضيق جبل طارق.

دراسة مقارنة مع أندلوسيا

وللاطلاع على ما يمكن مقارنته من عوامل إثنولوجية بين صور الجانبين الأندلسي والمغربي، لا بد من العودة إلى نص سابق[62]، بملاحظة أن الإثنوغرافيا الأندلسية أضعف بكثير من تلك التي تتعلق بالمغرب خلال عقدي الثلاثينيات والأربعينيات. ويبرز في العقد الأول البحث الذي أجراه فيلهلم غيزه (Wilhelm Giese) في الجبال والأرياف القادشية والذي اتبع فيه المنهح التجريبي الإثنو-اللغوي الألماني[63]، بالإضافة إلى البحث الذي أجراه الجيرال برينان (Gerald Brenan) عن ياخين (Yegen) والذي لم ينشر إلا في الستينيات[64]. ولكن كان لا بد من الانتظار إلى صدور دراسة جوليان بيت-ريفيرز (Julián Pitt-Rivers) في منتصف الخمسينيات بعنوان (أهالي الجبال، The People of the Sierra) لقراءة دراسة كاملة فعليا عن الأنثروبولوجية الاجتماعية[65]. ويشير المؤلف نفسه إلى الصعوبات التي واجهها والشبهات التي آثرتها بحوثه في جرازاليما في أواخر الأربعينيات رغم انتمائه إلى الأرستوقراطية إنكليزية[66]. وهذا دليل على أن الأنثروبولوجيا الأندلسية لم تحظى بالدعم الكافي لتطورها.

ولم يبق إلا مقارنة هذه الصور المأخوذة من مكتبة تطوان القديمة التابعة للحماية بالواقع الأندلسي في تلك اللحظة. وللاقتراب من الأوضاع الأندلسية آنذاك، هناك دراستان أصدرهما جيرال برينان، الذي كان يملك معرفة واسعة عن الواقع الأندلسي بين العشرينيات والخمسينيات من القرن العشرين، وهما (المتاهة الإسبانية، The Spanish Labyrinth) و(وجه إسبانيا، The Face of Spain). ويتمحور الكتابان حول فكرة «أندلوسيا المأسوية»، على غرار «إسبانيا المأسوية»، التي كتب عنها الكاتب الإسباني أثورين (Azorín). ويقرّبنا النص الأول إلى الفترة قبيل الحرب الأهلية وأجواء التوتر التي سيطرت على أيام الجمهورية الثانية الأخيرة. وفي هذا السياق نرى الإفقار السائد الذي أصاب أهالي أندلوسيا الزراعية والاستقطاب الاجتماعي خلال أحداث كاساس فياخس (Casas Viejas) الأناركية. وكان بعض الأندلسيين من أمثال الماركيس دي ديلار (Marqués de Dílar)، وهو رجل أعمال غرناطي، والروابط المحبة للثقافة الإفريقية (africanistas) التي كان على رأسها الخبير في الشؤون الأفريقية خواكين كوستا (Joaquín Costa)، قد رأوا في المغرب في ثمانينيات القرن التاسع عشر، أرضا مليئا بالفرص المتاحة لكل من الأندلسيين الذين لم يملكوا الأراضي بشكل خاص، وللإسبان بشكل عام. وكان الحلم السائد ذلك الذي حلم به منظّرو الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وهو إقامة «مستعمرة مأهولة»، عبر انتزاع الأراضي من أصحابها بذريعة أنهم لم يكونوا قادرين على الاستفادة الكاملة منها، وذلك حسب نظريات إنري دي سانسيمون (Henri de Saint-Simon) الطباوية. وهكذا، تم اندماج كل من الأراضي غير المزروعة (حسب رأي المستعمر)، والتحديث التكنولوجي والبحث عن آفاق جديدة لفقراء الميتروبولي في هذه المبادرة. وذهب إلى هناك أشخاص مثل اليتيم رفائيل لوبيث رياندا الذي التحق بالجيش للهروب من الجوع المسيطر على منطقته، والذي وصلتنا منه شهادة شخص اعتقد أن المشاة في الجيش كانوا نزيهين في حين كان الجنرالون يتورطون في نهب أموال أمانة الصندوق. وجاء عقد الثلاثينيات ليضع على الصدارة إشكالية استمرار الفقر في أندلوسيا من جديد.

وأصبح فن التصوير بعد التخلص من الرومانسية ومظاهر الفرح، يركز على الإرث أو القضايا الاجتماعية، أو كليهما معا. ويمثل أعمال المصورين الذين أرسلتهم الجمعية الإسبانية في أمريكا (Hispanic Society of America) إلى شبه الجزيرة الأيبيرية نموذجا عن ذلك، حيث كان هؤلاء يبحثون عن صور لإسبانيا الريفية من أجل إبراز حالة الدراما الموروث الذي كان يعاني منه شعب مسحوق بعد إعادة إقامة النظام الملكي (Restauración). إلا أن الصور التي التقطها بيار فيرغي في رحلته إلى أندلوسيا 1935 مختلفة تماما عما سبق، فهو كان يبحث عن الفرح الذي أتت به إقامة الجمهورية الثانية، على غرار ما فعله جوليان دوفيفي في فيلم (العَلم). ووصف بابلو جوليا (Pablo Juliá) هذا المزاج الذي يميزه عمن كانوايبحثون عن الحالات المأسوية بالكلام التالي: «لم يركز على الفقر، ولم يصر على إبراز ظروف الحياة السيئة التي يعاني منها شعب متخلف، بل لا نرى إلا الحياة نفسها، فمعظم الأشخاص في صوره يبتسمون معبرين عن التفاهم القائم بينهم والمصور وتنفجر منهم شلالات من الدفء الروحي الإنساني»[67]. وبعد سنتين قام روبرت كابا (Robert Capa) المعروف بتعكيس آلام الحرب في ريبورتاج له عن أندلوسيا ركز فيه على هروب الجمهوريين من ملقا إلى المرية، إلا أن صوره لم تلبئ توقعات الفرنسيين في باريس الذين كانوا ينتظرون رؤية مشاهد درامية وطوابير طويلة من الهاربين[68]. وبعد إعادة إقامة النظام السلطوي بالحديد والنار رجعت صور أندلوسيا السعيدة الفردوسية التي تبرز الأراضي الخصبة المليئة بالرجال الذين قد جعلوا من التمتع بوقت الفراغ مصدر سعادتهم، مثلما أكده أورتيغا (Ortega) في «نظريته في أندلوسيا».

وكان التيار الموروفيلي (maurofilia)، وخاصة ذلك المتعلق بالمغرب (marroquinismo)، يسود في تلك الفترة بين صفوف أنصار فرانكو الأندلسيين، الذين عملوا على ربط العالمين المغربي والأندلسي، من بينهم ماريانو بيرتوشي، ورودولفو خيل بينومييا، وتوماس غارثيا فيغيراس. وكان هذا الأخير شخصية مركزية خلال الحماية. وكانت الوحدة الجيوغرافية والنفسية-الثقافية المفترضة بين الأندلسيين والمغاربة أمرا لا بد من إثباته بكل الوسائل، بالإضافة إلى ضرورة إبراز «العمل التثقيفي» الإسباني لتعزيز منطق الأخوة. وهذا ما يمكن استنتاجه بعد دراسة آلاف الصور الموجودة في مكتبة الحماية العامة القديمة حيث لا توجد صورة واحدة تريد أن تعطي صورة مأسوية عن الحماية، عكس ما حدث في أندلوسيا في الثلاثينيات. ومن الأفضل أن نصنفها كصور ملتقطة خلال الجولات (excursionista) التي اشتهرت بها العواصم الأندلسية بعد تعميم استخدام آلات التصوير. وتزامنا مع ظهور الصحافة المصورة المحلية وصل الرسم التوضيحي إلى الحماية بوساطة مجلة (آفريكا).

ومن الأرجح أن يظل خلال عرض هذا المعرض صدى نجاح كتاب (الوقت بين ثنايا الغرز،El tiempo entre costuras) والمسلسل التلفيزيوني الذي تلاه، للكاتبة ماريا دوينياس (María Dueñas)، مسموعا. وهي قصة تستوحي وقائعها ونهايتها من فيلم كاسابلانكا المشهور لمايكل كورتيز (Michael Curtiz) الذي من الممكن جدا أنه مستوحى من طنجة، المدينة المغربية التي تميزت بجوها العالمي والديبلوماسي. وبعد البحث في الأرشيف الديبلوماسي الفرنسي تفاجأت بالتشابه الملموس بين الواقع وهذا الفيلم، فرغم إتمام إخراجه في إستوديوهات الولايات المتحدة خلال الحرب، نلاحظ فيه معرفة المخرج العميقة عن الوجود النازي في المغرب ومؤامرات جنود هتلر ضد سلطات الحماية الفرنسية. وأتفاجأ من جديد الآن بعد اكتشافي أن رواية ماريا دوينياس تستوحي قصة مرأة حقيقية: روساليندا باويل فوكس (Rosalinda Powell Fox)، رفيقة المفوض الأعلى خوان لويس بايغبدار (Juan Luis Beigbeder). وهي قصة تجسس وحب مختلطة بمؤامرات الحرب العالمية الثانية والحنين إلى الاحتمال غير المحقَّق من تطور النظام الفرانكي إلى آفاق أكثر تحضرا من تلك التي وصلت إليها لولا وفاة الجينرال سانخورخو (Sanjurjo)، ماركيس الريف، المبكرة والمأسوية والغريبة. وفي نهاية سيرتها الذاتية، تسخر روساليندا من مصير أرملة سانخورخو التي أصبحت بفضل فرانكو مديرة مكتب بيع أوراق اليانصيب تعويضا عن عدم تحوّلها إلى «رئيسة» إسبانيا[69]. وتعطي مثل هذه الحقائق طابعا معاصرا وحديثا للقضية الاستعمارية خالعة إياها من بعدها مأسوي. إن المعقولية الإثنوغرافية لتسير أحيانا بطرق معقدة جدا.

والعجيب أنه منذ فترة قصيرة لاحظنا أن فن التصوير تحل محلا مهما في طريق إعادة الترابط بين الإنثروبولوجيا وتاريخ الفنون، مما يؤدي إلى ضرورة التفاهم بينهما على أساس أنه تم تبديل الأطلس الخرائطي بالأطلس الفوتوغرافي. وليس ما يقدمه هذا المعرض إلا أطلسا فوتوغرافيا ينبغي ترتيبه تدريجيا حسب معانيه ودلالاته المتعددة[70]. وبغض النظر عن الموضوع الذي يشغل بالنا، فإن هذا المعرض يستحق انتباهنا لأنه أحد المعالم في طريق البحث في الصور والمعاني، التي لا يمكن فهمها إلا من خلال العمل المشترك المغربي والأندلسي المقارن.


  1. [1] J.A. González Alcantud & E. Martín Corrales (eds.). La conferencia de Algeciras en 1906. Un banquete colonial. (مؤتمر الجزيرة الخضرا في 1906، وليمة استعمارية) Barcelona, Bellaterra, 2006.
  2. [2] Franzt Fanon. Les damnés de la terre. París, F.Maspero, 1961.
  3. [3] Albert Memmi. La dépendance. Esquisse pour un portrait du dépendant. París, Gallimard, 1979.
  4. [4] Kwame Anthony Appiah. “The Postcolonial and the Postmodern”. In: Ashcroft, Bill; Griffiths, Gareth; Tiffin, Helen (eds.) The Postcolonial Studies. Reader. Londres, Routledge, 2002, pp.199-123.
  5. [5] Marc Augé. La guerre des rêves: essais d’ethno-fiction. París, Seuil, 1997.
  6. [6] José Luis Villanova. Los interventores, piedra angular del Protectorado español en Marruecos. (المراقبون، حجز الزاوية في الحماية الإسبانية على المغرب) Barcelona, Bellaterra, 2006.
  7. [7] Vicente Moga Romero. El Rif de Emilio Blanco Izaga. Trayectoria militar, arquitectónica y etnográfica de España en Marruecos. (ريف إيميليو بلانكو إثاغا، مسيرة إسبانيا العسكرية والمعمارية والإثنوغرافية في المغرب) Barcelona, Bellaterra, 2009.
  8. [8] J.A. González Alcantud. Racismo elegante. De la teoría de las razas culturales a la invisibilidad del racismo cotidiano. (العنصورية اللطيفة: من نظرية الإثنيات الثقافية إلى العنصورية العادية غير المرئية) Barcelona, Bellaterra, 2011, pp.151-157.
  9. [9] Teniente Coronel Capaz. Usos y costumbres marroquíes en las ciudades, en el campo. (العادات والتقاليد المغربية في المدن والأرياف) Alta Comisaría de España en Marruecos, Inspección de Intervención y Fuerzas Jalifianas, 1928. Mecanografiado. Biblioteca Nacional de España, AfrGFC 512/9.
  10. [10] Robert Montagne. Les Berbères et le Makhzen dans le sud du Maroc. Essai sur la transformation politique des Berbères sédentaires (groupe Chleuh). París, F.Alcan, 1930.
  11. [11] Hassan Rachik. Le prochain et le lointain. Un siècle d’anthropologie au Maroc. Marsella, Eds. Parenthèses, 2012.
  12. [12] Dionisio Nyessen. Antropografía del Marruecos español. Monografía de Tetuán. (انثروبوغرافيا المغرب الإسباني. حالة تطوان) Tetuán 1948. Mecanografiado. Traducción de Juan Luis Fernández-Llebrez. Biblioteca Nacional de España, AFR-393-21.
  13. [13] Abderrahim Yebbur Oddi. Antiguos usos y costumbres de Tetuán. (العادات والتقاليد القديمة في المغرب) Tetuán, Editora Marroquí, 1950, p.22.
  14. [14] Yebbur, op.cit, p.81.
  15. [15] J.A. González Alcantud. Sísifo y la ciencia social. Variaciones críticas de la antropología. (سيزيف وعلم الإجتماع، تغيرات الأنثروبولوجيا النقدية) Barcelona, Anthropos, 2008, pp.163-193, dedicadas a analizar el vínculo entre espionaje y antropología.
  16. [16] Alta Comisaría de España en Marruecos. Investigación científica de Marruecos. Cuestionarios de Etnología, Lingüística y Arqueología. (البحث العلمي في المغرب: استطلاعات علوم الإثنولوجيا واللغة والآثار) Edición provisional. Larache, Artes Gráficas Bosca, 1940, p.5.
  17. [17] J.A. González Alcantud. “El amigo lejano. Mística colonial y políticas de contacto cultural de los ejércitos de ocupación francés y español en Marruecos”(الصديق البعيد: الباطنية الاستعمارية وسياسات الجيشين الفرنسي والإسباني للتواصل الثقافي في المغرب) . In: J.A. González Alcantud (ed.) con la colaboración de Rachid Raha y Mustafá Akalay. Campos equívocos. Marroquíes en la guerra civil española.(خناديق مربكة: المغاربة في الحرب الأهلية الإسبانية) Barcelona, Anthropos, 2003, pp. 132-156. وهناك أيضا: José Luis Mateo Dieste. La “hermandad” hispano-marroquí. Política y religión bajo el Protectorado español en Marruecos. (الأخوة الأسبانية-المغربية: السياسة والدين في فترة الحماية الإسبانية على المغرب) Barcelona, Bellaterra, 2003.
  18. [18] Alta Comisaría, op.cit. 1940, p.8.
  19. [19] Alta Comisaría, op.cit. 1940, p.14.
  20. [20] Alta Comisaría, op.cit. 1940, p.37.
  21. [21] Alta Comisaría, op.cit. 1940, p.49.
  22. [22] José Luis Villanova. « Obtener información: una de las principales funciones de los interventores del Protectorado español en Marruecos ». (جمع المعلومات: من أبرز المهمات التي وجب على مراقبي الحماية الإسبانية على المغرب القيام بها الإشكالية الاستعمارية) In: Fatiha Benabbah & Abdelaali Barouki (eds.). La problemática colonial española en Marruecos. (الإشكالية الاستعمارية الإسبانية في المغرب) Rabat, Instituto de Estudios Hispano-Lusos, 2013, pp.69-100.
  23. [23] José Rodríguez Erola, Capitán de Infantería, Interventor 1º. Territorio del Rif. Beni Urriaguel. Alto Guis. Estudio Económico-Social. (الريف، بني ورياغل: دراسة اقتصادية واجتماعية) Octubre 1952 septiembre 1953. Original Biblioteca Nacional de España. Ejemplar sin paginar.
  24. [24] Julio Cola Alberich. Escenas y costumbres marroquíes. (مشاهد وعادات مغربية) Madrid, Instituto de Estudios Africanos, Consejo Superior de Investigaciones Científicas, 1950, p.16.
  25. [25] Cola, 1950, p.29.
  26. [26] Julio Cola Alberich. Cultos primitivos de Marruecos. (العبادات البدائية في المغرب) Madrid, Eds. Jura, 1954, pp.11-15.
  27. [27] Jawhar Vignet-Zunz.- « Treize questions sur une identité ». In. Ahmed Zouggari & Jawhar Vignet-Zunz (eds.). Jbala. Histoire et société. París-Casablanca, CNRS&Wallada, 1991, pp.185-194.
  28. [28] J.A. González Alcantud. “Bandidos mediterráneos: analogías etnográficas entre los bandolerismos contemporáneos de Andalucía y el Rif-Yebala”. (قطاع الطرق على البحر الأبيض: التشابه الإثنوغرافي بين هذه المسألة في العصر الحديث في أندلوسيا وجبالة) In: Carmelo Lisón Tolosana (ed.). Antropología: horizontes comparativos. (الأنثروبولوجيا: آفاق المقارنة) Universidad de Granada, 2001, pp.271-290.
  29. [29] وعلى سبيل المثال ولي الحصر: C.R. Pennell. A Country with a Government and a Flag. The Rif War in Morocco, 1912-1926. Withstable, Mena Press, 1986. Para el día de hoy: Drisds El Yazami & Ahmed Siraj (eds.). Rif. Les traces de l’histoire. Casablanca, Eds. La croisée des chemins, 2012.
  30. [30] Eloy Martín Corrales. “El cine español y las guerras de Marruecos (1896-1994)”. (الإنتاج السينمائي الإسباني والحروب المغربية، 1896-1994). In: Hispania. Revista Española de Historia, Vol.LV/190 (1995), pp.693-708.
  31. [31] Pierre Mac Orlan. La bandera. París, Gallimard, 1931.
  32. [32] للمزيد من المعلومات عن أعمال دوفيفي حول إفريقيا الشمالية، يرجى الاطلاع على: J.A. González Alcantud. “Nostalgia frente a memoria. Del recuerdo de al-Ándalus a la melancolía colonial”. In: VV.AA. Memoria y patrimonio. Concepto y reflexión desde el Mediterráneo. Granada, Universidad, 1912, pp.263-334.
  33. [33] Alberto Elena. “Romancero marroquí: africanismo y cine bajo el franquismo”. (روكانثيرو ماروكي، الحب بالثقافة الإفريقية والسينما في فترة فرانكو) In: Secuencias, nº4, 1996, pp.83-118.
  34. [34] Archivo General de la Administración (AGA), 36/03241. Alcalá de Henares.
  35. [35] AGA 36/04545, Leg.C/5505. Expediente 254, bis-40.
  36. [36] AGA 36/3604545/Leg c/5505, expediente 263, 40.
  37. [37] AGA 36/04659, Leg. C/ 5497, expediente 013-42.
  38. [38] ومن بين رواياته القصيرة: (1925) (تحت الشمس الإفريقي), (1927) (مقاتلي في الفيلق), (1928) (القمر على الصحراء).
  39. [39] AGA. 36/04558. Leg.5519, expediente 828, 42.
  40. [40] AGA 36/04700. Leg.12751. Expediente nº 65-48.
  41. [41] Alberto Elena. “Cine para el Imperio. Pautas de exhibición en el Marruecos español (1939-1956)”. (السينما لخدمة الإمراطورية، منهج العرض السينمائي في المغرب الإسباني، 1939-1956) In: Actas del IV Congreso de la Asociación Española de Historiadores del Cine, A Coruña, 1995, pp.155-166.
  42. [42] Tomás García Figueras. Bertuchi en Marruecos. (ليرتوشي في المغرب) Sin fecha. Mecanografiado. BNE AfrGFC/497/3.
  43. [43] José Luis Gómez Barceló. “Fotografía en el tiempo del Protectorado”.(فن الصوير في فترة الحماية) In: El Protectorado español en Marruecos: la historia trascendida.(الحماية المغربية على المغرب: التاريخ الذي وصلنا) Versión en línea: www/la historiatrascdencida.es/fotografía-en-el-tiempo-del-protectorado/.
  44. [44] Javier Píñar Samos. “Por amor al arte. Personajes y temas de la fotografía amateur en Granada (1886-1936)”. (حبا للفن: الأشخاص والمواضيع العادية في فن التصوير الابتدائي في غرناطة، 1905-1925). In: VV.AA. Por amor al arte. José Martínez Riboó y la fotografía amateur en Granada (1905-1925). (حبا للفن، خوسي مارتينيث ريبو والتصوير الابتدائي في غرناطة، 1906-1925). Granada, Fundación Rodríguez Acosta y Cajagranada, 2005, pp.29-89.
  45. [45] F. Echagüe. Marruecos. Recuerdo del viaje de la embajada española de 1894. (المغرب، مذكرات زيارة الوفد الإسباني في 1894) Melilla, Consejería de Cultura, 1999. Estudio preliminar y edición de Francisco Saro Gandarillas.
  46. [46] Publio López Móndejar. (تاريخ فن التصوير في إسباني) Historia de la fotografía en España. Madrid, Lunwerg, 1999, 4ª.
  47. [47] Rodolfo Gil Benumeya. Ni Oriente ni Occidente. El universo visto desde el Albayzín. (لا شرق ولاغرب، العالم من حي البيازين في غرناطة) Universidad de Granada, 1996. Estudios preliminares de R.Gil Grimau y J.A. González Alcantud. Edición original de 1930 aproximadamente.
  48. [48] Estampas marroquíes. Cien fotografías de Nicolás Muller. Texto de Rodolfo Gil Benumeya. (مشاهد مغربية. مائة صور لنيكولاس مولير. تأليف النص لرودولفو خيل بينومييا) Madrid, Instituto de Estudios Políticos, 1944, p.2.
  49. [49] Julio Cola Alberich, op.cit.1950, pp.37-38.
  50. [50] J.A. González Alcantud. “Tres andalucistas en el olvido”. (ثلاث قوميين أندلسيين في النسيان) In: Andalucía en la Historia, nº28,julio 2010, pp. 20-22.
  51. [51] Álbum sobre oficios, tipos populares, diferentes tipos de construcción, etc. de Marruecos.(آلبومات متنوعية) BNE AFRFOT-LF/21.
  52. [52] Álbum de la gestión realizada por Tomás García Figueras entre 1952 y 1955 al frente de la Delegación de Asuntos Indígenas. (آلبوم عن إدارة غارثيا فيغيراس) BNE AFRFOT-LF/12.
  53. [53] Mustafá Akalay. “La ciudad de Tetuán a través de su arquitectura”. (مدينة تطوان من خلال بناياته). In: J.A. Gonzáez Alcantud (ed.). La ciudad magrebí en tiempos coloniales. Invención, conquista y transformación. (المدن المغربية في الفترة الاستعمارية: الاختراع، الغزو والتحول) Barcelona, Anthropos, 2008, pp.283-306. Antonio Bravo Nieto. Arquitectura y urbanismo en el norte de Marruecos. (البناء والعمارة في المغرب الشمالي) Sevilla, Junta de Andalucía, 2000.
  54. [54] José Luis Villanova. El Protectorado de España en Marruecos. Organización política y territorial. (الحماية الإسبانية على المغرب، النظام السياسي والإداري) Barcelona, Bellaterra, 2004, pp. 229-231.
  55. [55] Andalucía y norte de África. BNE GMC/35/253,
  56. [56] J.A. González Alcantud. “La fábrica francesa del estilo hispano-mauresque, en la galería de los espejos deformantes”: (صناعة الأسلوب الفني الإسباني-المغربي في ممر المرايا المشوِّهة) In: J.A. González Alcantud (ed.). La invención del estilo hispano-magrebí. Presente y futuros del pasado. (صناعة الأسلوب الفني الإسباني-المغربي، بين الحاضر ومسبقبلات الماضي) Barcelona, Anthropos, 2010, pp.15-79. J.A. González Alcantud. “Las artes populares en la invención del estilo hispanomorisco en Marruecos”. (الفنون الشعبية في اختراع الأسلوب الفني الإسباني-المغربي في المغرب). In: Carmelo Lisón Tolosana (ed.). Antropología: horizontes estéticos. Barcelona, Anthropos, 2010, pp. 183-210.
  57. [57] Guías Afrodisio Aguado. Andalucía, Marruecos y Canarias. (أندلوسيا، المغرب وجزر الكنارية) Madrid, A. Aguado, 1952, p.717.
  58. [58] Eloy Martín Corrales. “Marruecos y los marroquíes en la propaganda oficial del protectorado (1912-1956)”. (المغرب والمعاربة في الدعاية الرسيمة خلال الحماية، 1912-1956) In: Helena de Felipe (coord.). Imágenes coloniales de Marruecos en España. (صور استعمارية من المغرب في إسبانيا) Dossier de los Mélanges de la Casa de Velázquez, nouvelle série, 37 (1), 2007, pp.83-107.
  59. [59] Víctor Morales Lezcano. El final del Protectorado hispano-francés en Marruecos. El desafío del nacionalismo Magrebí (1945-1962). (نهاية الحماية الإسبانية-المغربية، تحدي القومية المغربية، 1945-1962)
  60. [60] Abdelmajid Benjelloun. Approches du colonialisme espagnol et du mouvement nationaliste marocain dans l’exMaroc khalifien. Casablanca, Eds. OKAD, 1990, pp.284-286.
  61. [61] María Victoria Alberola Fioravanti (ed.). Homenaje a Fernando Valderrama Martínez. Selección de sus separatas. (مديح لفيرناندو فالديراما مارتينيث، مقتبس من أعماله) Madrid, AECI, 2006, p.328.
  62. [62] J.A. González Alcantud. “Leve indagación sobre la memoria visual en perspectiva comparada de Andalucía y Marruecos”. (دراسة بسيطة في الذكريات المرئية المقارنة بين أندلوسيا والمغرب) In: Proyecto Rimar, en prensa.
  63. [63] Wilhelm Giese. Sierra y Campiña de Cádiz. Universidad de Cádiz, 1996. Ed. de Manuel Rivas Zancarrón. Orig.1937.
  64. [64] Gerald Brenan. “Village in Andalusia”. In: The Anchor Review. Number One of a series, N. York, Doubleday & Cia. 1955, pp. 61-89.
  65. [65] Julian Pitt-Rivers. The People of the Sierra. Nueva York, Criterion Books, 1954.
  66. [66] J.A. González Alcantud. "La Historia soplada. Entrevista a Julián Pitt-Rivers”. (التاريخ عبر شهادة خوليان بيت-ريفيرز). In: Fun­da­mentos de Antropología, nº 2,1993,pp.162-167
  67. [67] Mohamed Amin Sbihi. “Andalucía 1935. Una mirada amable”. (أندلوسيا في سنة 1935: نظرة لطيفة) In: VV.AA. Pierre Verger. Andalucía 1935. Resurrección de la memoria. (أندلوسيا في سنة 1935: بعث الذكريات) Sevilla, Centro de Estudios Andaluces, 2006, p.64.
  68. [68] Carmen Rangel Ramos. El viaje andaluz de Robert Capa. (رحلة روبرت كابا الأندلوسية) Sevilla, Centro Andaluz del Libro, 2011, pp-104-105.
  69. [69] Rosalinda Powell Fox. The Grass and the Asphalt. Sotogrande, J.S.Harter, 1997.
  70. [70] Teresa Castro. “Les ‘Atlas photografiques’ : un mécanisme de pensée commun à l’anthropologie et l’histoire de l’art » : In : Thierry Dufrêne & Anne-Christine Taylor (eds.) Cannibalismes disciplinaires. Quand l’histoire de l’art et l’anthropologie se rencontrent. París, INHA, Musée Quai Branly, 2010, pp.229-244.